ياحبا على شاكلة وطن
كتبهاد . أميمة أحمد ، في 21 تموز 2007 الساعة: 12:24 م
الجزائر في 25/1/2002-
ياحبا على شاكلة وطن
راحت بايا تقرأ قصيدة أمام دهشة ضياء بها ، الذي لم يرها من قبل وعرفها بما سمع عنها،
تكاد عيناه تحضنها فرحا بها وهي تقول :
تربّص بي الحزن لاتتركيني لحزن المساء
سأرحل سيدتي
أشرعي اليوم بابك قبل البكاء
فهذي المنافي تُغرّر بي في انتظار
تراودني للرحيل
عله يشفي غليل الحنين
حنين إلى وطني
صار رحلة عشق دائمة في الخيال
كانت أحلام تستمع لأول مرة إلى بايا وهي تقرأ شعرا .. كان صوتها موسيقا لآلة لم تخلق بعد، فيه مساحة حزن ، وكان خُلق للفرح .. وعزف الصوت لحنا آخر.. لحنين أشبه بالعشق. وكان ضياء يستمع إليها بشئ من الذهول ، وكأنه فجأة جلس خارج الزمن ، وخارج الذكريات المؤلمة التي عبرت حياته ، ليستمع لها . وعندما سكتت بايا راح يقرأ بقية تلك القصيدة ، كأنه يقرأ لها طالعه لاغير ..
ومالي سواك وطن
وتذكرة للتراب .. رصاصة عشق بلون الكفن
ولا شئ غيرك عندي
مشاريع حب لعمر قصير
وحبك مشروع عمري
فأنت لي .. فأنت لي
في تلك اللحظة .. سرت شحنة من الحزن المكهرب وربما من الحب المكهرب بيننا نحن الثلاثة ، واخترقت ثغورنا كجداول الربيع .
- 2 -
أحب بايا .. قالت أحلام لنفسها .. مبهورة بها ، أعطت ضياء ماافتقده عندي .. كلمات الحزن، وكلمات الوطن .. وكلمات الحب أيضا ، حبها لها متفرد في تضاريسه وأشكاله وألوانه ، غير مألوف لدى الناس . أشعر في هذه اللحظة أن بايا أصبحت قلبنا معا . وبشئ من الحسرة والحزن تابعت أحلام .. كان يجب أن أتوقع كل هذا ، فهل كان يمكن أن أوقف انجرافهما كسيل جرف كل أعراف الحب السري والمراوغة والخداع .. هاهما يعلنان حبهما كبيرق على سارية الوطن .
اكتشفتُ بحماقة أنني صنعتُ قصتهما بيدي ، بل وكتبتها فصلا فصلا بغباء مثالي ، وأصبحتُ عاجزة عن التحكم بأبطالي ، أتذكر سذاجتي .. أتصل بها لتتحدث مع ضياء ، فهي الوحيدة القادرة على إخراجه من كهوفه المظلمة ، لتزيح غيومه الملبدة ، لتصحو سماؤه المكفهرة .. وأطلب من ضياء أن يتصل بها ، يؤنس وحدتها في الاغتراب ..
أدارت عينيها نحو ضياء .. كيف أضع أمامك أنثى بهذا النضوج وهذا الاشتهاء ، وتصغرني بثلاثة عقود ونيف ، وتفوقني حضورا وإغراءا ، وأحاول أن أقيس نفسي بها أمامك .. كيف يمكن أن أفك صلة الكلمة ، والفكرة التي تجمعكما بتواطؤ ؟ وأمنع كاتبة صحفية أن تحب سياسيا ، جعلت مواقفه ، وأفكاره تميمة لتقيها انزلاق الطريق ؟
كيف أقنعه وهو الذي لم يشف غليل حلمه بعد برفيقة درب يحكي لها حكايته التي لم ترق لي يوما .. كيف لايحبها وقد أرسلها القدر له لتوقظ الذاكرة وتشرّع نوافذ النسيان ؟ كيف حدث هذا ؟ وكيف وضعتكما أمام قدركما الذي هو قدري ؟
قال لي هذا الصباح .. بعيون صافية فرحة إنها رائعة هذه البايا .. كنت أتمنى لو صادفتها قبل رحيلها .. ولاحظ غلالة غيرة في عينيّ .. فصمت ..وقرأت صمت ضياء في عينيه .
أصمت لأحتفظ بسرّك لي أيتها الحلم الذي جاء متأخرا أكثر من نصف قرن .. كما نحتفظ بسر كبير نتلذذ بحمله وحدنا ، فإن لحبك نكهة العمل السري ومتعته القاتلة رغم خوفنا من الضواري التي تحسب علينا أنفاسنا . أم تراني أخجل أن أبوح لأحلام أنك حبيبتي ، وهي التي لم أخجل منها يوما ، وتقاسمت معها عمرا يزيد على أربعين عاما .. هي تحبك وأنا أحبك ، وآخرون يحبونك ، لكن حبك لم يُخلق ليُقتسم فقررت أن تكوني لي يامواسم الزيتون .
انسحبت أحلام بهدوء على رؤوس أصابعها ، وأغلقت باب الغرفة خلفها وتركت ضياء سارحا في حلمه ، وتمتمت، حلم أنا استقدمته إليه .. وذهبت إلى صويحابتها .
أمضت بايا ليلتها في المزرعة التي اشتراها لها ضياء وهي في المنفى .. فتحت عينيها على زقزقة العصافير المعششة في أشجار المزرعة ، تتناغم مع آلاف البلابل في داخلها .. كم كانت تلك الجلسة في منزل ضياء رائعة ، كيف حدث كل هذا ؟ لم أعد أدري ..
كان الزمن يركض بنا من موعد إلى آخر ، والحب ينقلنا من شهقة إلى أخرى .. كأن حبه قدري .. وربما حتفي ، فهل هناك قوة بمقدورها إيقاف القدر ؟
كان لقاؤنا يتجدد كل يوم ، وفي ساعات مختلفة من اليوم ويدوم اللقاء ساعات عند مفارق الغربة ، وربوع المنفى الواسعة الأشبه بسجن كبير ، نخرج على حبال الضوء لنلتقي .
كنت أتساءل كل مرة وأنا أودعه مرددة تلقائيا " إلى الغد " ترانا نرتكب أكبر الحماقات ونتعلق ببعضنا كل يوم أكثر ؟ ربما لأن قدره أحلام كنت أشعر أنني أتحمل مسؤولية ذلك الوضع العاطفي الشاذ ، المجنون كما وصفه ضياء .. وارتقاؤنا السريع نحو قمة عرفات ذاك الجبل المقدس ، حيث كان الحب المفجع يوم التقى آدم بحواء بعد إن طردهما الله من الجنة .
عبثا حاولت إيقاف الشلال .. الذي كان يجرفني إليك بقوة حب العشرين وجنون حب الأربعين، بشهية امرأة لم تعرف الحب قبل ذاك اليوم الذي التقيتك به ذات شتاء ، وغمرتني دفئا وسكينة . كان حبك يجرفني كالطوفان ، ويذهب بي إلى أبعد نقطة في اللامنطق ، تلك التي تكاد يلامس فيها العشق في آخر المطاف الجنون .
وأشعر وأنا أتأبط ذراعك إلى تلك المتاهات العميقة داخلي ، إلى تلك الدهاليز السرية للحب والشهوة ، إلى تلك المساحات البعيدة الأغوار التي لم يطأها أحد قبلك .. أنني أنزل في سلم القيم تدريجيا ، وأنني أتنكر دون أن أدري لتلك المثل والمبادئ التي آمنت بها بتطرف ، ورفضت عمرا بأكمله أن أساوم عليها . وفي لحظات الصحو أجفل وأرتد أسيفة كمهرة وردت نبع ماء وشاهدت صورتها في الماء ، حينها تتلقفني ذراعاك ، توشوشني كلاما أفهم بعضه ويستعصي علي بعضه الآخر .. تعيدني إلى منطق الأشياء .. حبيبتي القيم لاتتجزأ ، ولا يوجد في قاموسي من فرق بين الأخلاق السياسية وبقية الأخلاق .. فنحن لم ولن نتنكر لواحدة منها ، ولم نثقب الأخلاق الفاضلة .. قاطعتك : ألا نخون وأنا أنفرد بك في غرفة الحلم ، تؤثثها الكلمات والأشعار ؟ ألم أسرق شيئا ليس لي في تلك الجلسات الطويلة على شرفات القمر ،وأنت تسمع لثرثرتي ؟
أجبتني : لا .. لا لم يحدث هذا أبدا ، وتدرك قصدي وتقول : أحلام حاضرة بيننا دائما ، تربطني بك ، وتفصلني عنك في الوقت نفسه ، فهي جسر وحاجز في الوقت نفسه .. كانت تدرك أن متعتي الوحيدة أن أودع مفاتيح ذاكرتي عندك لتطلعي عليها أنت الصحفية ، وأن
أفتح دفاتر الماضي المصفرة ، أنبش بيادري أذروها أمامك ..وكأني أكتشفها معك وأنا أستمع لنفسي أقصها لأول مرة .
اكتشفنا بصمت الأيام .. أننا نتكامل بطريقة مدهشة ، أحدثك عن ماض تجهلينه ، وتحدثيني عن حاضر ذهبت القيم فيه أدراج الرياح .. حاولت أن أودعه بعض أحمال السنين والتجارب المرة وأثقالها .. وحملّتك وزر حلم لم أجد غيرك أهلا له .. وقلت لي أنا خديجتك أنسيت كيف آمنت بالحلم ؟
فتعيدني إلى صفاء أفتقده بين الحين والآخر في صحارى المنفى . وهكذا رحت أمتلئ بك كل يوم أكثر .. وأحبك أكثر…..
قلبت بايا في فراشها على اليسار حيث النافذة التي تربطها بما هو خارج غرفتها ..تتناهى إلى سمعها أصوات الباعة .. وضجة الأطفال وأزيز السيارات ..ولا مكان لأشجار المزرعة الحلم، فتراءى لها ضياء ينقر زجاج النافذة .. ضحكت ادخل الباب مفتوح .. حضنته .. قبلته.. لفته بذراعيها .. غاصت في دفء حلمت به طويلا .. منذ ملايين السنين .. حدّقت في سماء عينيه الصافيتين كنهر الفيروز .. عندما اخترت طريقي ياضياء لم يكن حلمي أن أكون مشهورة في أكبر إذاعة دولية ، يسمعها الذين أعرفهم والذين ولا أعرفهم ، الذين أحبهم والذين لا أحبهم ، وكل منهم يبدي ملاحظاته فيما أقول .. ولا كاتبة رافضة ومرفوضة .. لم أختر طريقي لهذا .. كان حلمي أن تكون لي أسرة وأولاد يعيشون في ربيع لم أعرفه.. تشردت لأجل هذا الربيع .. فإذا بي أم لأطفال آخرين يعيشون في ربى وطني وزوجة للمنفى والقلم .. أكتب فيه أحلام العصافير التي كنت أتمناها لطفل أنجبه من أب مثلك .. قلت لي .. لن يأخذ أحد منك الحلم والكتابة عنه .. إن مافي أعماقنا هو لنا ..ولن تطوله يد أحد .. أنت ياحبيبتي لاتنتمي لجيل النساء اللائي نذرن حياتهن للمطبخ، ويعشن الأعياد والعرس كوليمة حب ... لم يجدن تعبيرا له خارج الأكل .. أنت حبيبتي ذاك النجم البعيد وذاك القمر البدر في حياتي التي كنت أريدها على نحو مختلف . وغمرها بدفء فريد فجر ينابيع للحب والرغبة والأمان .
كانت حكايتنا غريبة ، وكان حبنا غريبا أيضا وكنت مستمتعا وأنا أروي لك الحكاية التي نسجناها معا ..غير أنك رحت تروي حكايتك مع أحلام ، مأخوذا بذكائها وقدرتها على فهمك، وكان صوتك في بعض اللحظات يقطر لذة وانتشاء… بينما كنت أستمع إليك بأدب جم احتراما لمتعة يمارسها صديق بالحديث عما يحب ويستغرق به .
جفلتُ كيف تحول اسمك إلى صديق بعدما كنت الخل الوفي والحبيب ؟ أدركت حينها أنني كنت أحلّق وحدي أرسم لنفسي اللوحات بكلمات على النحو الذي أريد ..
فتحول اللقاء إلى وجبة صمت مُربك ، أستمع لحكايتك مع أحلام .. حلم عمرك .. شعرت ثمة شيئا انكسر بيننا .. سمعت صوته كانكسار مرآة ، لم يعد بالإمكان ترميمها .. عكست حزني
المشروخ .. وكان الحزن فريدا وفرديا كخيبتي ذات الوجوه المتعددة كأحجار النرد ، متشعبة الأسباب ، غامضة كموقفي من قصتك مع أحلام .
أدركت بيقين قاطع أن قلبك لم يعشق غير أحلام منذ إن خفق لها أول مرة .. ورحت تفتخر براحة البال والضمير أنك لم تخنها ….. وحتى لاتقترف هذا الإثم صغت العلاقة مع بايا على نحو غريب .. وكنت سعيدا بهذه الصياغة ، فقد حولت الحب من عشق ثنائي عنيف إلى حب مثلث متساوي الأضلاع .. كل زواياه متساوية .. حولته من لعبة شطرنج يحكمها لاعبان متقابلان، ويملأ الحب فيها كل المربعات السوداء والبيضاء بقانون المد والجذر العشقي إلى لعبة ورق ، يجلس الثلاثة حول طاولة واحدة ، بأوراق مقلوبة وأحزان مقلوبة ، بنبضات قلوبهم المشتركة ، يتربصون ببعضهم لخلق قوانين جديدة للحب .. يزوّرون الأوراق التي معهم بما لديهم من أوراق مخفية ، يحتالون على منطق الأشياء .. لا ليربح أحدهم الجولة ، وإنما لكي لا يكون بينهم من خاسر ، وحتى تكون النهاية أقل وجعا من البداية .
كان واضحا أن أحلام تشعر أن ضياء يحب بايا بطريقة ما ، كما تشعر أن بايا تحب ضياء على هذا النحو أو ذاك .. لكنها لم تكن تدرك أنها الضلع الثالث في المثلث المرسوم .. لذا سحرتها اللعبة .. لعبة ضياء الذي تعتقد أنه لا يخطئ أبدا .. وأنه لها حيثما غطت عصافيره .. وكرست ياضياء هذا المفهوم الثلاثي للعشق ، أردت أن تثبت صحته كما تفعل في كل قناعاتك لإقناع الآخر بها ، ونسيت أو تناسيت أن العشق اسم ثنائي لا مكان فيه لطرف ثالث ، لذا عندما حولته إلى مثلث ابتلعنا كما يبتلع مثلث برمودا كل البواخر التي تعبره خطأ .
كيف وصلنا إلى هنا ؟ أي ريح حملتنا إلى هذه التضاريس الوعرة ؟ أي صدفة جمعت أقدارنا المتناقضة ، وأعمارنا المختلفة وتواريخنا المتفاوتة وأحلامنا المتباعدة في بيت نؤثثه بالكلام عن حلم صوره كل منا في ردهات الزمن وتلاقت الصورتان ؟
تعودت أن ألون بكلماتي ما تقوله لي ، بالبنفسجي حينا لأجعله حكمة ودرسا ، وبالأزرق حينا آخر ليكون ثوب هدوئي ، وبالأحمر بعض الأحيان لونا لعشقي وجنوني ، والرمادي في غالب الأحيان ، لقلقي المخيم على ماتقوله وسؤال حائر على شفتي : ماذا يريد أن يوصله لي من رسالة ؟تعودت أن أجمع حصيلة ماتقوله لي ، وأنسج منه حوارا لحكاياتي التي أدمنتها بعد كل لقاء ،أحشوها بحوارات وكلام لم نقله .. وفي حكايتي الأخيرة حلّقتُ كثيرا .. لأكتشف أن علاقتنا لها شبه باللون الأبيض .. تحتاج الكتابة من جديد ..
كنت في النهاية كالوطن ..كل شئ يؤدي إليه .. ولكنه يوصد أبوابه في وجهي .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : من دفاتر المنفى | السمات:من دفاتر المنفى
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























يوليو 21st, 2007 at 21 يوليو 2007 12:52 م
دعوة لتجديد الحملة : لن نتوقف حتى تتوقف مأساة رفح!
أغسطس 6th, 2007 at 6 أغسطس 2007 12:16 ص
تحية طيبة جد ا
تصفحت حديقتك الغناء و تجولت فيها بدون استئذان فلقد اطربتني بفوائدها الجميلة
واناملك المتميزة السورية التي مزجت حروف انامل الجزائر مرحبا بك ويسعدني التواصل معك
فسورية اعتبرها بلدي الثاني من حيث الحب واللهجة
ادعوك لزيارة مدونتي سيدتي والتعليق فيها لندم التواصل
شكرا
أغسطس 23rd, 2007 at 23 أغسطس 2007 11:15 م
مقاربات في الفساد الجزائري :أبوجرة سلطاني… قف !(الجزء الأول)
الفساد في الجزائر حقيقة لا ينكرها أحد ولا يختلف فيها إثنان، وقد تجذر في دواليب السلطة إلى حد التعفن، وصار النظام متهما لا ترجى براءته وتحت طائلة قوائم مثيرة منذ الإستقلال، فالفضائح لا يمكن حصرها في مقال أو حتى مجلدات، فتهريب الأموال إلى الخارج تورط فيه مسؤولون وبإعتراف من طرف هيئات دولية وحتى شخصيات مهمة في أعلى هرم الدولة، فقد فجر رئيس الحكومة الأسبق لخضر إبراهيمي فضيحة 26 مليار راحت عمولات ورشاوي، ونجد فضائح الإغتيالات السياسية المشبوهة، كإغتيال الوزير محمد الصديق بن يحيى وطاقم مهم من الخارجية الجزائرية… إغتيال الرئيس محمد بوضياف من متهم مفترض خرج والده أخيرا من صمته وبرأه من دون أن يبوح بما إعترف له به نجله، الذي يرتاد على زيارته في سجن البليدة العسكري، وظهر الرجل غارقا في الفقر المدقع ويخاف ربما حتى من ظله، وإغتيال كريم بلقاسم في ميونيخ، وإغتيال رئيس الحكومة السابق وجهاز المخابرات قاصدي مرباح، وإغتيال زعيم نقابة العمال الجزائرية وأحد أقطاب الإنقلاب على إنتخابات 1991 عبد الحق بن حمودة، وإغتيال زعيم جبهة الإنقاذ عبدالقادر حشاني، وإغتيال الوزير الأسبق محمد حردي الجنرال حبيب خليل والجنرال فضيل سعيدي وضباط كانوا ممن عول عليهم الرئيس بوضياف في حربه على الفساد المتجذر في دواليب الدولة كالرائد مراد والنقيب عبدالحق، وحتى الإغتيالات التي طالت شيوخ إسلاميين في السجون والجبال كما حدث ليخلف شراطي بسجن سركاجي ومحمد السعيد وعبدالرزاق رجام والسعيد مخلوفي وزرفاوي بوبكر في أدغال ومغارات جبلية، وكذلك المطربين كالقبائلي معطوب الوناس والشاب حسني وحتى الصحفيين كالطاهر جاووت وغيره… قائمة الإغتيالات طويلة من شخصيات وحتى مواطنين بسطاء حملتهم أقدارهم يوما بأن كانوا شهود على حدث ما، إلى جانب الإغتيالات المشبوهة هناك فضائح أخرى تتعلق بالإرهاب من مجازر في حق المدنيين كمجزرة بن طلحة والرايس وغليزان وبني مسوس… الخ، وهناك فضائح البنوك كالتي سميت بفضيحة القرن من طرف رئيس الحكومة الأسبق أحمد أيحيى، وتتمثل في فضيحة الخليفة، وفضيحة البنك الصناعي التجاري والبنك الوطني الجزائري وفضيحة بنك البركة ببئر خادم… بغض النظر عن القضايا التي نقرأها يوميا من إختلاسات وثغرات مالية، وفضائح سياسية كالتزوير في التشريعيات التي قادها أحمد أويحيى زعيم الأرندي بصفته رئيسا للحكومة عام 1998، والإنقلابات على الأحزاب كما حدث لحركة الإصلاح وزعيمها عبدالله جاب الله، والإنقلاب على بن فليس وجناحه في الحزب الحاكم الجزائري، والإنقلابات على الرؤساء كبن بلة والشاذلي بن جديد وعلي كافي واليمين زروال، فضائح أخرى تتعلق بحقوق الإنسان كالتعذيب والقتل خارج أطر القانون والمحتشدات في الصحراء الجزائرية، وفضائح المسؤولين كفضيحة آدمي وزير العدل الأسبق، وفضيحة بن محمد وزير التربية من خلال تسريب أسئلة البكالوريا، وفضيحة محمد بتشين، وفضائح الجنرال خالد نزار وأبنائه، وفضائح الجنرال العماري وشركاؤه بدأ من زعيم المجاهدين سعيد عبادو، وفضيحة مستشار الرئيس بوتفليقة، وفضيحة الوزير وزعيم حركة حمس الجزائرية المتعلقة بالمخدرات، وفضائح الولاة من والي وهران إلى والي الطارف، وفضيحة المجاهدين المزيفين، وفضائح عصابات الحاج فرقاني وزيدان المخفي… أيضا فضائح الأموال التي تذهب هباء كما حدث في قضية سد العبادلة وإتصالات الجزائر وغيرها، وكذلك فضائح عسكرية كالتي يرويها الضباط الفارون من الجيش والغسيل المنشور عبر وسائل الإعلام المختلفة، وفضائح الإستيراد والتصدير من بواخر محملة بالمواد المغشوشة إلى فضيحة البازو الإيطالية (أنبوب الغاز العابر للمتوسط عن طريق تونس)، وإمبراطوريات ألقت بظلالها على المشهد الجزائري من حاج بتو إلى زنجبيل، ثم فضائح ممتلكات الدولة من شقق وفيلات فاخرة تنازلت بها السلطة بمبالغ رمزية إلى نافذين في الدولة، كما حدث في إقامة الدولة نادي الصنوبر وموريتي، فأحمد أويحيى أخذ لزوجته مركزا فاخرا بقلب العاصمة أصبحت بيتزيريا لها، وفيلا بحيدرة كانت مقرا لسفارة الأردن، ومحمد بتشين أهدى عشيقته المطربة فلة عبابسة فيلا بتيليملي كانت قد إكترتها الهند كمقر لسفارتها، وصارت الآن تدر بالملايير في جيب المطربة، التي أنهت علاقتها به فور مغادرته الرئاسة كمستشار للرئيس الأسبق اليمين زروال، ونجد أيضا فضائح جنرالات الجيش الفرنسي وما أقترفوه في حق الشعب الجزائري بدأ بخالد نزار والجنرال تواتي والجنرال العربي بلخير… إلخ، وبين هذا وذاك فضائح لا تعد عن المجالس المنتخبة ورؤساء البلديات وخاصة المندوبيات التنفيذية التي خلفت المنتخبين الشرعيين التابعين للحزب المحظور…
إن أردنا أن نحتوي هذا فلا يمكن أبدا، لأن الفساد أكبر بكثير ويحتاج إلى الصفحات التي لا نهاية لها أبدا.
قضية لا عدالة له
عندما إنطلقت محاكمة المتهمين في قضية الخليفة، قلت في قرارة نفسي لعل “العدالة” الجزائرية ستكون هنا بخير، وتثبت عكس ما يروج له من أنها مستقلة وفوق كل الشبهات، تفاجأ المتتبعون لمجريات المحاكمة وفصولها المختلفة، التي تفننت وسائل الإعلام الجزائرية بنقل تفاصيلها حتى اللحظات التي يعطس فيها القاضي أو المتهم، وهو أمر غير بريء، فقد مرت الكثير من المحاكمات من غير أن يفعل بها الأمر نفسه، كما وقح في محاكمة شيوخ الجبهة المحظورة ومحاكمة الملازم بومعرافي مبارك ومحاكمة المتورطين في مجزرة سركاجي… إلخ، ويكفي الحادثة الأخيرة المتمثلة في محاكمة الصحفي سحنون محمد المتهم بالتجسس لصالح إسرائيل، وكأن الجزائر بالفعل تحتاج إلى كل هذا التجنيد وأبناء المسؤولين والجنرالات تغدق عليهم عاهرات يهوديات بالسهرات الفاجرة الماجنة في أرقى الكازينوهات من لندن إلى باريس وحتى في تل أبيب، كما يحدث مع أبناء العربي بلخير الرجل القوي في النظام وخالد نزار والجنرال تواتي وحتى بنت الوزير بن بوزيد المتزوج من روسية وشقيقة جنرال له منصب هام في قوات الدفاع الجوي الروسي، مما يوحي أنه عمدة الوزراء لأكثر من 14 عاما ليس بالغريب، وكذلك إبن شكيب خليل والوزير زرهوني، وبنت عمار صخري وزير التربية السابق في لندن، وبنت الهاشمي جيار وزير الإعلام الجزائري ويكفي ما رواه الصحفي محمد تامالت عن إبنته كهينة جيار التي راحت تمجد الإستعمار الفرنسي في عاصمة الضباب لندن… الخ، نعود لموضوع الخليفة حيث أنه لما صدرت الأحكام تأكد العامة وحتى الخاصة أن الأسماك ذهبت قرابينا للحيتان التي حضرت شاهدة وهي في الأصل عصب الإتهام، كما حدث مع الوزير تبون والوزير سلطاني وزعيم نقابة العمال سيدي السعيد والوزير عبد المالك سلال والوزير ولد عباس والوزير السابق لبيب وغيرهم، فالكل يعرف أنه صعود نجم عبد المومن خليفة وأفوله ليس بمتناول من ليس له يد نافذة في أجهزة الدولة، فشاب في العقد الرابع من عمره يستطيع “النصب والإحتيال” على دولة بمؤسساتها ومخابراتها يوحي إما أن الشاب ذكي يحتاج إلى أن يكرم على ذكاءه بجائزة نوبل جديدة للذكاء أو أن الدولة غبية يفرض محاسبة كل نظامها من أصغر موظف حتى رئيس الجمهورية وشقيقه الرئيس الموازي السعيد بوتفليقة… لقد صار الفساد توأما للنظام الحاكم، فكلما ذكر إسم جنرال أو وزير أو والي أو نائب برلماني كلما أيقن الجميع بأن الفساد هو دينهم، وانه لا يرجى الخير منهم أبدا…
فحيح الأفاعي..
في ظل الحملة التي تقودها الدولة على الفساد بدءا من ما يسمى بالبرلمان الذي صادق على قانون لمكافحة الفساد والرشوة، والملفات الكبرى التي فتحتها المحاكم، ظن الجميع خيرا، لكن الحقيقة كانت عكس ذلك تماما فقد زاد الطين بلة وأصبحت الرشوة هي تحية المواطن للإدارة وصارت ما يطلق عليه محليا لفظ “التشيبة” هي الطريق الوحيد للمغلوب على أمرهم حتى يسترجعون حقوقهم… في ظل هذا وذاك أعلنت حركة “حمس” الجزائرية بقيادة وزير الدولة بوقرة سلطاني حملة تبدو جريئة لمن لا يفهم خلفيتها، وغير بريئة لنا نحن، سمتها “الفساد قف” وذلك حسب الشعار الذي زين واجهة مقرها الوطني بحيدرة، للكشف عن الفساد المستشري بالبلد هذا بلون الدم لخطورة المفسدين، ثم يزيد الشعار “ثلث أموال التنمية يأكلها المفسدون والمزورون وأصحاب الرشاوي” هذا بلون العشب يوحي بجمال هؤلاء اللصوص وطبيعتهم الخضراء التي تزيد البلد جمالا ورونقا وربيعا خلابا !!… فإطلاق لفظ “المفسدين” على هؤلاء هو في الأصل تزكية لهم لأنهم في الحقيقة لصوص تجرمهم كل القوانين والأعراف الدولية… لقد ظن المغلوب على أمرهم أن حملة “الفساد قف” ستقلم أظافر المفسدين بالفعل، وهذا الذي تبجحت به عصابة حمس الجديدة، غير أنه بعدما صرح الوزير سلطاني بوقرة بقنبلة إمتلاكه لملفات وأسماء ثقيلة متورطة في الفساد، فتحت عليه وسائل الإعلام النار وزاد الرئيس بوتفليقة لما صب البنزين على ألسنة اللهب لتي كادت أن تعصف بحمس، لما هاجم وزيره على المباشر هجوما لاذعا، بعدها مباشرة تعلن الحركة طي صفحة الفساد مما أوحى للكثيرين أن رجالها بحثوا عن الأضواء، وقامر الوزير برأسه إما كاذبا أو صادقا في ملف مشبوه إلى درجة كبيرة، وفي الحالتين الواجب الذي يمليه القانون هو محاسبته… لكن الحقيقة أنه من يريد المغامرة في مثل هذه المواضيع فقد يذهب بحياته إلى الجحيم، نسأل الله لنا نحن العافية… في ظل هذا عرفت حركة حمس الشد والجذب فقد خرج عن صمته البرلماني أحمد الدان وهو أحد قياداتها والذراع الأيمن لزعيمها الراحل محفوظ نحناح، وهاجم في مقال له رئيسه، وكذلك اصدر ما يسمى بالأعضاء المؤسسين للحركة في بيان وقعه عبد الحميد مداود في 14 ديسمبر 2006 وطالب الوزير سلطاني ومن معه بعدم المغامرة بمستقبل الحركة ورصيدها التاريخي، القضية طويت إعلاميا وحتى سياسيا وقضائيا من دون نتيجة تذكر فلا الوزير كشف عن المفسدين ولا الدولة والعدالة حاسبته على تشويه سمعة النظام إن كان بريئا من الفساد، مما دفع ببعض المحللين إلى جعل ما صرح به زعيم حمس يدخل في إطار ما تفعله الأفعى التي يدفعها الخوف إلى الفحيح وتخويف الآخرين، لأن الرجل تردد إسمه كثيرا عبر فصول محاكمة القرن، وقد نفى مثلا أن إبنه كان موظفا لدى الخليفة وتحاشى الحديث عن الآخر، بالرغم من أن شقيقه مولود البالغ من العمر 32 عاما، كان موظفا في بنك الخليفة بالرويبة وقد أهداه الخليفة سيارة من نوع دايو سيلو يستعملها في حله وترحاله، وقد قضى ذلك فترة لا يستهان بها قبل أن يتنقل إلى شركة تأمين يملكها رجل الأعمال مسعود حاجي الذي تورط في فضيحة كبيرة للعقار بمنطقة بوشاوي الفلاحية التي تحتل مكانا يتوسط أرقى الأحياء والمدن من سطوالي وإقامة الدولة نادي الصنوبر والشراقة والمنطقة الأمنية بني مسوس، وقد أودع سجن الحراش غير أن أيادي نافذة إستطاعت أن تفك سجنه والقضية في ذمة المجهول… وأيضا “الوفاة” غير الطبيعية للرجل الذي يعتبر أمين مالي وسري وشخصي للوزير سلطاني، وهو السيد بتيش محمد النعمان المدعو يزيد الذي وجدته زوجته ميتا في بيته بإقامة تابعة للدولة في بن عكنون، وقد كان يزيد إطارا بولاية قالمة عندما تقلد سلطاني الوزارة أول مرة إضطر إلى شخص يكون أمينا له، فتدخلت أطراف فاعلة ومنها رجل الأعمال يحيى طرابلسي وهو صاحب شركات وفنادق وإبنه متزوج من بنت شقيقة يزيد، فقام بتعيينه مستشارا له ثم مديرا للإدارة العامة والوسائل والمالية لوزارة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، ولما تم تقليد حقيبة وزارة العمل والحماية الإجتماعية لسلطاني كان من ضمن الرجال الذين تنقلوا معه للوزارة، ليشغل في البداية منصب مفتش مركزي ثم مستشارا للوزير وبعدها تم تعيينه من خلال الجريدة الرسمية في 2000 مديرا للإدارة والمالية والوسائل ليصبح المتصرف الأول في ميزانية ضخمة لا يستهان بها، لما غادر سلطاني الوزارة عاد إلى منصبه الأول في وزارة المؤسسات ليشغل منصب أمين عام مساعد وطبعا الوزير بن بادة من حزب حمس، في الأيام الأخيرة من حياته ولما بدأت تلوح في الأفق فضيحة الخليفة صارت أموره ليست على ما يرام مع عائلة الوزير، وقد حدثني أحد المقربين منه أنه قبل وفاته يشكو من ضغط كبير يتلقاه من طرف وزيره السابق ويتعلق بقضايا مالية من دون أن يفصح عن طبيعتها، وحدث أن عاد إلى بيته في سبتمبر 2005 وأخذ حماما ليجلس على أريكة، تعود زوجته من التسوق لتجده صريعا وسماعة الهاتف ملقاة على الأرض مما يوحي أنه كان يحدث شخصا ما، دفن وأعلن أنه توفي بسكتة قلبية، الوزير تدخل لتبقى زوجته في البيت على حساب الدولة بالرغم من أنه يملك شقة فاخرة في تيبازة سلمت له من وكالة الترقية والسكن ببوسماعيل بتدخل عالي المستوى، لما تم نقل جثمانه وقع حادث لسيارته “سيترواين قزارا”، فقام شقيق الوزير الذي يشغل منصب مدير وكالة تأمين ببني مسوس بتعويض زوجة يزيد عن كل الأضرار التي لحقت بالسيارة، هذا بعدما أجري تأمينا بتاريخ سابق للسيارة، ولسنا ندري ما الدافع الحقيقي لهذا الإجراء؟.
عين على الماضي الخفي
الكل صار يدرك الثراء الفاحش الذي حل على الوزير سلطاني وعائلته، وخاصة في منطقة الشريعة (ولاية تبسة أقصى الشرق)، والكل يعرف علاقاته المتعددة والنافذة مع رجال أعمال عبر التراب الجزائري وحتى في الخارج، لذلك أردنا من خلال هذا المقال أن نتحدث بإختصار شديد عن الوزير والزعيم الإخواني الذي حاول أن يكون شرطيا في الجزائر ويوقف الفساد بإيحاء عسكري لكنه في اللب إسلاموي له معاني أخرى…
بوقرة سلطاني من مواليد 1954 بالشريعة (أقصى الشرق)، درس بالمدرسة المختلطة ثم تنقل إلى ثانوية مالك بن نبي بعاصمة الولاية تبسة، وفي عامه النهائي تم طرده بسبب تصرفات غير أخلاقية، إلا أنه تحصل على شهادة البكالوريا وإلتحق بجامعة قسنطينة، خلال هذه الفترة إلتزم وصار عنصرا نشيطا في ما يسمى بالإخوان المسلمين، عمل خطيبا في مسجد ونشر عدة كتب عن دار البعث في إطار ما سميت بأوراق إسلامية، وبعدها نشر كتبا أخرى في السياسة والتنظير للأزمة الجزائرية، وحتى ديوان شعر مجد فيه سيف الحجاج الذي أعلنه الرئيس بوتفليقة بعد نهاية العمل بالوئام المدني، وقد أشرف على تصحيح الأوزان والديوان شاعر تبسة علي مناصرية، تقلد عدة مناصب مهمة بعد الإمامة التي ظل ينتقد النظام إنتقادا لاذعا بسبب البعد عن الشريعة الإسلامية وعدم تحكيم الدين، بدأها كرئيس لمجلس الشورى لحركة حمس ثم كاتب دولة مكلف بالصيد البحري في عام 1996 إلى 1998، ونائبا بالبرلمان ووزير للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة من 1998 إلى 2000، ووزيرا للعمل والحماية الإجتماعية من 2000 إلى 2001، وهو الآن يشغل منصب وزير الدولة من دون حقيبة ورئيس لحركة حمس منذ 8 أوت 2003…
عرف عن الوزير سلطاني علاقته الوطيدة بملف الأفغان الجزائريين، حيث أسس رفقة صديقه وأحد الحمسيين البارزين في قسنطينة فريد عشي الذي عرف في ما بعد بأبي ريحانة، مكتبا لمساعدة الشباب وتحريضهم على الإلتحاق بجبال تورابورا، وأرسل الكثيرين بل زارهم حتى إلى باكستان وقام بنشر صوره مع “المقاتلين العرب” بمجلة أشرف على إدارتها وهي “التضامن الإسلامي”، ومن أبرز الذين قام بتجنيدهم وإستغلال رغبته في الدراسة بالخارج، نجد السجين الجزائري بباريس رشيد رمدة والذي يعتبر من أبرز تلامذته في مسقط رأسه وهو المتهم بتفجير ميترو باريس عام 1995، وقد تخلى عن عائلته التي لا تزال تناشد من أجل فك أسر إبنهم أو حتى زيارته في السجن، لما أصبح وزيرا يبتعد عن الشبهات، وكذلك العايش عبدالمالك، وعمر جدي الذي لا يزال يقبع في سجن الشلف “الغرب الجزائري” منذ 2003، وغيرهم كثيرون جدا… وهنا نعود إلى فريد عشي الذي أصبح عند بداية الحرب الأهلية الجزائرية مفتي والرجل الثاني في الحركة الدموية “الجيا”، وقد كان من الموقعين على بيان يوجب قتال حكام الجزائر “الطغاة ومن والاهم” برفقة أبو صهيب السعيد العبودي وأبو خولة مصطفى وسليمان حجاج أبو الحارث ومصعب خثير أبو أيمن وأبو هبة بوبكر قماس وهم من أبرز المقاتلين في الجماعة الإسلامية المسلحة “الجيا”، غير أن المفاجأة ما كشفه عقيد المخابرات الجزائرية محمد سمراوي في شهادته المثيرة والرائعة “وقائع سنين الدم” بأن فريد عشي يحمل رتبة ملازم في المخابرات، وقد تمكن من التسلل في صفوف شبان من حي القصبة وتكوين جماعته الخاصة بعد أن نجح في الهروب من عملية توقيف مزعومة، وقد قام بتنظيم إغتيالات رجال الشرطة ورجال قانون وموظفين من طرف أناس متأكدين أنهم يكافحون من أجل الحق، وقد زاد سمراوي في هامش الكتاب: (… بعدها قام بتنظيم عمليات راح ضحيتها العديد من “المكافحين” كما قام بالكشف عن مخابئ للسلاح والوشاية ببعض رجاله، وعندما قرر \’ق.إ.أ\’ أن هذه الجماعة المزيفة يجب أن تتوقف عن العمل، وزع عشي على \’مجاهديه\’ ما يقارب 250 زوج من أحذية رياضية كورية الصنع لم تكن معروفة في الجزائر تدعى \’طانقو\’ على أعضاء الجماعات المسلحة)، وربما هذا السبب الذي دفع إلى إطلاق شفرة “طانقو” على المسلحين المتمردين لدى مصالح الأمن كما روى ذلك حبيب سوايدية في كتابه “الحرب القذرة”، وقد أقصي في ما بعد حسب رواية العقيد سمراوي من قيادة الجيا مع زيتوني في ظل إنقلاب المخابرات عليهما، وبعدها إنتهى الأمر بالتصفية الجسدية طبعا… علاقة المخابرات بحركة حمس لم تتوقف عند هذا الحد فقد أكد سمراوي أن الضابط عبدالرحمن بن مرزوقة الذي كلف بمهمة ربط الصلة مع محفوظ نحناح حتى يؤسس حزبا يناهض أصولية الفيس، بدل جمعية الإرشاد والإصلاح وقد عارض الأمر بوسليماني بحجة “أن السياسة تدنس الضمير”، هذا مما يكشف البعض من خيوط إغتياله البشع في 23 يناير 1994، حتى أنه يؤكد بأن الضابط بن مرزوقة نجح في مهمته وصار في ما بعد مستشارا سياسيا لنحناح… ومما بلغنا من طرف مطلعين على الشأن الأمني والإستخباراتي في الجزائر أنه من أسباب محاولة إغتيال الوزير سلطاني في 16 سبتمبر 1994، أنه قام بتسريب ملف خطير عن الأفغان الجزائريين وحتى قائمة للشباب الذين سجلوا بمكتبه رغبة في الإلتحاق بأفغانستان، وسلم ذلك للعقيد فريد قائد جهاز الإستخبارات بقسنطينة قائمة خطيرة ساهمت مساهمة فعالة في تصفية الكثيرين خارج القانون، حتى أن أحد الإسلاميين الذين أفرج عنهم في إطار ميثاق السلم والمصالحة الوطنية فضل أن لا نبوح بإسمه أكد بأن الجماعة كانت تستهدف سلطاني وليس علي العايب بسبب خيانته لشباب بريء أستغل سذاجتهم وحماسهم الديني وقبضت حمس الأموال من طرف الجمعيات السعودية هذا بطلب من وزير الدفاع خالد نزار الذي زار السعودية حينها ووفق في توقيف مساعدات المملكة لحزب الإنقاذ بعد وقوفها بصف العراقيين، وصارت من بعد كل رحلات نحناح في الخارج تجري على حساب جمعيات سعودية، وأكد لنا مصدر مطلع أن سلطاني ومن معه كانوا يقبضون ثمنا مقابل كل شخص يتم تجنيده لأفغانستان قدره بحوالي 3000 دولار للرأس، للتذكير أن هؤلاء الأفغان الجزائريين لعبوا دورا بارزا في الحرب الأهلية الجزائرية، ونسبت لهم كل المجازر والعمليات البشعة التي إستهدفت المدنيين والمؤسسات الرسمية…
في البرلمان المصادر…
في الإنتخابات البرلمانية الملغاة بتاريخ 26 ديسمبر 1991 التي فازت فيها جبهة الإنقاذ الإسلامية بأغلبية برلمانية ساحقة، كاد أن يكون بوقرة سلطاني مرشح الحزب بولاية تبسة التي يتحدر منها كما هو معلوم، وقد لعب الدور في ذلك أبوبكر زرفاوي وصالح شنوف اللذان تربطهما علاقات متينة مع الوزير، وقد كان لزرفاوي وهو ممرض بمستشفى الشريعة (ولاية تبسة) ودرس العلوم الشرعية في معهد الآمنية بدمشق، الدور البارز في محاولة فرض الوزير على رأس قائمة الفيس حينها، وننوه أن زرفاوي بوبكر كان عضوا في مجلس الشورى للجبهة المحظورة في آخر أيامه وإمام خطيب بمسجد الدواودة (ولاية تيبازة)، مع وقف المسار الإنتخابي إلتحق بالعمل المسلح وصار الضابط الشرعي الوطني للجماعة الإسلامية المسلحة (الجيا)، في سنة 1994 نقلت وسائل الإعلام الجزائرية من مصادر أمنية خبر القضاء عليه في الغرب الجزائري من طرف قوات الأمن، وأكدت أنه متورط في إغتيال مطرب الراي الشهير الشاب حسني، غير أن الحقيقة التي عرفناها من عدة مصادر، وبينهم شهود عيان من المسلحين التائبين أو حتى ممن صدر في حقهم العفو في إطار ميثاق السلم والمصالحة الوطنية، حيث أجمعوا على أنه تمت تصفيته من طرف جمال زيتوني شخصيا وخلفه فريد عشي، ربما مصادفة تبدو غريبة أن للرجلين علاقة وثيقة بسلطاني منذ بدايتهما في الحركة الإسلامية…
أفتى زيتوني بردته لما يحمله من أفكار بدت أقرب لمنهج الجزأرة الذي أعلن كفره ـ حسب إعتقادهم طبعا ـ بين الفصائل والتنظيمات، وقد تعرض لأبشع أنواع التعذيب قبل موته، ومما روي أنه رفض منهج التكفير والمجازر في حق المدنيين مما عرضه لسخط جمال زيتوني، وقد أكد سمراوي في شهادته الهامة والخطيرة على غرار ما دونه حول فريد عشي أن زيتوني يعد من رجال المخابرات والعميل الأول الذي نفذ مخطط إتجه له النظام من أجل عزل العمل المسلح على المستوى الشعبي أو حتى على المستوى الدولي، عن طريق إقتراف مجازر مروعة في حق المدنيين، وروى لنا أحد شهود العيان ما حدث لزرفاوي في أعالي الشريعة (البليدة) حيث إقتلع زيتوني أظافره وحتى عينيه وبتر أذنيه وبقر بطنه حتى صار يصرخ بالكفر البواح تنفيذا للأوامر التي تريده أن يموت وهو يكفر بالله ورسوله، وللتذكير أن لزرفاوي بوبكر قريب آخر وهو أحمد زرفاوي تم إدراجه مؤخرا على القائمة الأممية للإرهابيين الدوليين لسنة 2006، نظرا لتورطه في إختطاف السواح الأجانب بالصحراء الجزائرية، ويعتبر الذراع البارز لعبد الرزاق البارا في تلك العملية… أما صالح شنوف وهو رجل أعمال بتبسة وكان الصديق الحميم لسلطاني، فقد ظل العضو النشيط في الجبهة على مستوى الولاية بل سخر الكثير من طاقاته المادية الضخمة في خدمتها، تم إختطافه من بيته الواقع بحي ذراع ليمام في عام 1997 على إثر عملية إستهدفت فرقة للدرك الوطني ب