الجزائر في 25/1/2002-
ياحبا على شاكلة وطن
راحت بايا تقرأ قصيدة أمام دهشة ضياء بها ، الذي لم يرها من قبل وعرفها بما سمع عنها،
تكاد عيناه تحضنها فرحا بها وهي تقول :
تربّص بي الحزن لاتتركيني لحزن المساء
سأرحل سيدتي
أشرعي اليوم بابك قبل البكاء
فهذي المنافي تُغرّر بي في انتظار
تراودني للرحيل
عله يشفي غليل الحنين
حنين إلى وطني
صار رحلة عشق دائمة في الخيال
كانت أحلام تستمع لأول مرة إلى بايا وهي تقرأ شعرا .. كان صوتها موسيقا لآلة لم تخلق بعد، فيه مساحة حزن ، وكان خُلق للفرح .. وعزف الصوت لحنا آخر.. لحنين أشبه بالعشق. وكان ضياء يستمع إليها بشئ من الذهول ، وكأنه فجأة جلس خارج الزمن ، وخارج الذكريات المؤلمة التي عبرت حياته ، ليستمع لها . وعندما سكتت بايا راح يقرأ بقية تلك القصيدة ، كأنه يقرأ لها طالعه لاغير ..
ومالي سواك وطن
وتذكرة للتراب .. رصاصة عشق بلون الكفن
ولا شئ غيرك عندي
مشاريع حب لعمر قصير
وحبك مشروع عمري
فأنت لي .. فأنت لي
في تلك اللحظة .. سرت شحنة من الحزن المكهرب وربما من الحب المكهرب بيننا نحن الثلاثة ، واخترقت ثغورنا كجداول الربيع .
- 2 -
أحب بايا .. قالت أحلام لنفسها .. مبهورة بها ، أعطت ضياء ماافتقده عندي .. كلمات الحزن، وكلمات الوطن .. وكلمات الحب أيضا ، حبها لها متفرد في تضاريسه وأشكاله وألوانه ، غير مألوف لدى الناس . أشعر في هذه اللحظة أن بايا أصبحت قلبنا معا . وبشئ من الحسرة والحزن تابعت أحلام .. كان يجب أن أتوقع كل هذا ، فهل كان يمكن أن أوقف انجرافهما كسيل جرف كل أعراف الحب السري والمراوغة والخداع .. هاهما يعلنان حبهما كبيرق على سارية الوطن .
اكتشفتُ بحماقة أنني صنعتُ قصتهما بيدي ، بل وكتبتها فصلا فصلا بغباء مثالي ، وأصبحتُ عاجزة عن التحكم بأبطالي ، أتذكر سذاجتي .. أتصل بها لتتحدث مع ضياء ، فهي الوحيدة القادرة على إخراجه من كهوفه المظلمة ، لتزيح غيومه الملبدة ، لتصحو سماؤه المكفهرة .. وأطلب من ضياء أن يتصل بها ، يؤنس وحدتها في الاغتراب ..
أدارت عينيها نحو ضياء .. كيف أضع أمامك أنثى بهذا النضوج وهذا الاشتهاء ، وتصغرني بثلاثة عقود ونيف ، وتفوقني حضورا وإغراءا ، وأحاول أن أقيس نفسي بها أمامك .. كيف يمكن أن أفك صلة الكلمة ، والفكرة التي تجمعكما بتواطؤ ؟ وأمنع كاتبة صحفية أن تحب سياسيا ، جعلت مواقفه ، وأفكاره تميمة لتقيها انزلاق الطريق ؟
كيف أقنعه وهو الذي لم يشف غليل حلمه بعد برفيقة درب يحكي لها حكايته التي لم ترق لي يوما .. كيف لايحبها وقد أرسلها القدر له لتوقظ الذاكرة وتشرّع نوافذ النسيان ؟ كيف حدث هذا ؟ وكيف وضعتكما أمام قدركما الذي هو قدري ؟
قال لي هذا الصباح .. بعيون صافية فرحة إنها رائعة هذه البايا .. كنت أتمنى لو صادفتها قبل رحيلها .. ولاحظ غلالة غيرة في عينيّ .. فصمت ..وقرأت صمت ضياء في عينيه .
أصمت لأحتفظ بسرّك لي أيتها الحلم الذي جاء متأخرا أكثر من نصف قرن .. كما نحتفظ بسر كبير نتلذذ بحمله وحدنا ، فإن لحبك نكهة العمل السري ومتعته القاتلة رغم خوفنا من الضواري التي تحسب علينا أنفاسنا . أم تراني أخجل أن أبوح لأحلام أنك حبيبتي ، وهي التي لم أخجل منها يوما ، وتقاسمت معها عمرا يزيد على أربعين عاما .. هي تحبك وأنا أحبك ، وآخرون يحبونك ، لكن حبك لم يُخلق ليُقتسم فقررت أن تكوني لي يامواسم الزيتون .
انسحبت أحلام بهدوء على رؤوس أصابعها ، وأغلقت باب الغرفة خلفها وتركت ضياء سارحا في حلمه ، وتمتمت، حلم أنا استقدمته إليه .. وذهبت إلى صويحابتها .
أمضت بايا ليلتها في المزرعة التي اشتراها لها ضياء وهي في المنفى .. فتحت عينيها على زقزقة العصافير المعششة في أشجار المزرعة ، تتناغم مع آلاف البلابل في داخلها .. كم كانت تلك الجلسة في منزل ضياء رائعة ، كيف حدث كل هذا ؟ لم أعد أدري ..
كان الزمن يركض بنا من موعد إلى آخر ، والحب ينقلنا من شهقة إلى أخرى .. كأن حبه قدري .. وربما حتفي ، فهل هناك قوة بمقدورها إيقاف القدر ؟
كان لقاؤنا يتجدد كل يوم ، وفي ساعات مختلفة من اليوم ويدوم اللقاء ساعات عند مفارق الغربة ، وربوع المنفى الواسعة الأشبه بسجن كبير ، نخرج على حبال الضوء لنلتقي .
كنت أتساءل كل مرة وأنا أودعه مرددة تلقائيا " إلى الغد " ترانا نرتكب أكبر الحماقات ونتعلق ببعضنا كل يوم أكثر
المزيد